شهدت الأسواق المالية خلال الأشهر الماضية تحولاً ملحوظاً في توقعاتها بشأن أسعار الفائدة. ففي وقت سابق من الدورة الاقتصادية، كانت الأسواق تتوقع أن يؤدي تباطؤ التضخم إلى تمكين البنوك المركزية الرئيسية، ولا سيما الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من البدء في خفض أسعار الفائدة بوتيرة كبيرة خلال عام 2026. إلا أن تلك الثقة تراجعت بشكل ملحوظ اليوم.
وتعكس التحركات الأخيرة في بيانات التضخم وعوائد سندات الخزانة الأمريكية ومنحنيات العائد الآجلة صورة أكثر تعقيداً؛ صورة لا تشكلها العوامل الاقتصادية الأساسية فحسب، بل تتأثر أيضاً بالمخاطر الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتغير المستمر في توقعات الأسواق تجاه سياسات البنوك المركزية.
ولا تهدف هذه النشرة إلى استعراض البيانات الاقتصادية أو التنبؤ بالاتجاه المستقبلي لأسعار الفائدة، بل تسعى إلى تفسير ما قد تعكسه التطورات الأخيرة في معدلات التضخم وتحركات الأسواق بشأن بيئة أسعار الفائدة المتغيرة.
التضخم الذي بدا وكأنه تحت السيطرة حتى وقت قريب، حيث بلغ معدل التغير السنوي في مؤشر أسعار المستهلك (CPI) في الولايات المتحدة الأمريكية 2.4% في يناير 2026، عاد للارتفاع متجاوزًا مستوى 3.8% في أبريل. كما شهدت منطقة اليورو تسارعًا مجددًا في التضخم ليصل إلى 3.0%، بينما سجلت المملكة المتحدة معدلًا أقل نسبيًا عند 2.8%، إلا أن الضغوط التضخمية لا تزال تتسم بالاستمرارية.
| المنطقة | أبريل - 26 | مارس - 26 | أبريل - 25 | الاتجاه |
| الولايات المتحدة | 3.80% | 3.30% | 3.00% | ↑ تسارع متجدد |
| المملكة المتحدة | 2.80% | 3.30% | 3.50% | ↓ تراجع (جزئي) |
| منطقة اليورو | 3.00% | 2.60% | 2.20% | ↑ تسارع متجدد |
المصدر: U.S. Bureau of Labor Statistics, Office for National Statistics , Eurostat
في الولايات المتحدة، يُعزى تسارع التضخم مجدداً1 بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، التي سجلت زيادة سنوية بلغت 17.9% في أبريل، وهي أكبر قفزة سنوية منذ سبتمبر 2022. كما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 28.4% على أساس سنوي. وقد ساهمت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران في دفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بشكل ملحوظ، في حين لم تنتقل آثار هذه الصدمة السعرية بالكامل بعد إلى أسعار السلع والخدمات. أما مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، وهو المؤشر الذي يحظى بأهمية خاصة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي عند تقييم توجهات السياسة النقدية، فقد ظل أعلى من مستوى 3% منذ يناير 2026، وارتفع من 3.0% في فبراير إلى 3.3% في أبريل 2026، وهو ما يُرجح ألا يُنظر إليه بإيجابية من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي. كما واصلت معدلات التضخم في قطاع الخدمات وتكاليف الإسكان تسجيل مستويات مرتفعة نسبياً، لتبقى من بين أكثر مكونات التضخم استمرارية. فهذه المكونات لا تستجيب بسرعة لتغيرات أسعار الفائدة، ولا يُتوقع أن تتراجع بسهولة أو تلقائياً بمجرد تشديد السياسة النقدية.
1 المصدر: U.S. Bureau of Labor Statistics
ولا يُتوقع أن تتراجع هذه المكونات بالسرعة التي قد يرغب بها الاحتياطي الفيدرالي.
وقد اكتسب هذا الأمر أهمية متزايدة لأن توقعات الأسواق في وقت سابق كانت تستند إلى فرضية أن التضخم سيواصل الانخفاض تدريجياً وبشكل مستدام نحو المستويات المستهدفة خلال عام 2026.
إلا أن الأسواق تواجه اليوم واقعاً مختلفاً يتمثل في:
تباطؤ وتيرة تراجع تضخم الخدمات.
استمرار متانة سوق العمل.
تجدد التقلبات في أسعار الطاقة.
ونتيجة لذلك، تراجعت ثقة المستثمرين في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة بوتيرة سريعة كما كان متوقعاً سابقاً.
وفي منطقة اليورو2، ارتفع معدل التضخم من 2.6% في مارس إلى 3.0% في أبريل، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الطاقة التي سجلت نمواً سنوياً بلغ 10.9% في أبريل مقارنةً بـ 5.1% فقط في مارس. وفي المقابل، يواصل تضخم الخدمات التراجع التدريجي ليستقر عند 3.0%، إلا أن هذا الارتفاع في أسعار الطاقة أضعف ثقة البنك المركزي الأوروبي في مسار عودة التضخم إلى مستوياته المستهدفة. ويُظهر ذلك أن تطورات أسواق الطاقة لا تزال قادرة على التأثير في توقعات التضخم، حتى مع استمرار انحسار الضغوط التضخمية الأساسية بصورة تدريجية.
أما المملكة المتحدة، فتُعد نسبياً الأكثر إيجابية بين الاقتصادات الرئيسية، حيث انخفض معدل التضخم إلى 2.8% مقارنةً بـ 3.3% في مارس. ومع ذلك، لا تزال معدلات تضخم الخدمات المرتفعة ونمو الأجور الذي يتجاوز 5% يدفعان بنك إنجلترا إلى تبني موقف حذر تجاه أي تخفيف محتمل للسياسة النقدية.

تعكس التحركات الأخيرة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية إعادة تقييم من قبل الأسواق لتوقعاتها بشأن مدة بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.
وفيما يلي مستويات عوائد سندات الخزانة الأمريكية حتى نهاية يوم 3 يونيو 2026:
أجل الاستحقاق | العائد (3 يونيو 2026) | الدلالة |
سنتان | 4.08% | يرتبط بشكل وثيق بتوقعات أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي (الطرف القصير من منحنى العائد) |
10 سنوات | 4.49% | المعيار المرجعي لتكاليف الاقتراض طويلة الأجل للشركات |
30 سنة | 4.99% | لا يزال عند مستويات مرتفعة، بما يعكس المخاوف المتعلقة بالتضخم على المدى الطويل والمخاطر المرتبطة بالأوضاع المالية العامة. |
المصدر : Bloomberg
وخلال الأشهر الأخيرة:
ظل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مرتفعاً ضمن نطاق يتراوح بين 4.3% و4.6%.
في حين استمر عائد السندات لأجل عامين في عكس توقعات الأسواق بتأجيل أي تخفيف جوهري للسياسة النقدية.
ويبلغ سعر الفائدة الأساسي للاحتياطي الفيدرالي حالياً ما بين 3.50% و3.75%، بينما يدور عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات حول 4.45%. ورغم أن الفارق بينهما لا يُعد مقياساً مباشراً لعلاوة الأجل (Term Premium)، فإنه قد يعكس جزئياً التعويض الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر التضخم، وحالة عدم اليقين الاقتصادي، والتطورات المالية الحكومية، ومخاطر أسعار الفائدة طويلة الأجل. وعندما يبقى هذا الفارق عند مستويات مرتفعة، فقد يشير ذلك إلى استمرار مخاوف الأسواق بشأن استدامة الضغوط التضخمية، وتأثير العجز المالي الأمريكي وإصدارات الخزانة على زيادة المعروض من السندات، إضافة إلى حالة عدم اليقين المحيطة بالمسار طويل الأجل لأسعار الفائدة. وتشير التسعيرات الحالية في الأسواق إلى أن مزيجاً من هذه العوامل قد يكون وراء استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل عند مستوياتها الحالية.

تكتسب عوائد سندات الخزانة الأمريكية أهمية خاصة نظرًا لتأثيرها المباشر في تكاليف التمويل المرجعية، وتوقعات الاقتراض لدى الشركات، وافتراضات التمويل المستخدمة في التقييمات المالية، بالإضافة إلى معدلات الخصم المعتمدة على نطاق واسع في الأسواق.
ومن المهم الإشارة إلى أن عوائد سندات الخزانة لا تعكس مستويات التضخم الحالية فحسب، بل تتضمن أيضًا تقييم الأسواق لـ:
التوقعات المستقبلية لأسعار الفائدة.
مستوى ثقة المستثمرين.
المخاوف المتعلقة بالأوضاع المالية العامة.
حالة عدم اليقين بشأن وتيرة التيسير النقدي المتوقعة خلال الفترة المقبلة.
وفي بداية العام، كانت الأسواق تتوقع تنفيذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي عدة تخفيضات لأسعار الفائدة خلال عام 2026. إلا أن هذه التوقعات شهدت تحولًا ملحوظًا مع تباطؤ وتيرة تراجع التضخم وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.
قبل عام، كان العديد من المحللين والمشاركين في الأسواق يتوقعون أن يُجري الاحتياطي الفيدرالي ثلاثة أو أربعة تخفيضات لأسعار الفائدة خلال عامي 2025 و2026. إلا أن ذلك لم يحدث. فقد بدأت تخفيضات أسعار الفائدة في سبتمبر 2024، لكن وتيرتها تباطأت لاحقاً. ومنذ ديسمبر 2025، أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%.
وفيما يلي كيف تبدو تسعيرات الأسواق اليوم:
| الفترة الزمنية | التوقعات الضمنية للأسواق | المصدر |
| اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) بتاريخ 17 يونيو 2026 | نحو 96.2% احتمال للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مقابل 3.8% فقط لاحتمال خفضها بمقدار 25 نقطة أساس | CME FedWatch (كما في 3 يونيو 2026) |
| نهاية عام 2026 - دون أي خفض لأسعار الفائدة | نحو 42.0% احتمال لعدم تنفيذ أي خفض لأسعار الفائدة، مقابل نحو 1.6% فقط لاحتمال تنفيذ خفض واحد على الأقل | |
| رفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر 2026 | الأسواق تسعّر حاليًا احتمالًا يبلغ نحو 40.4% لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس |
تشير التسعيرات الحالية في الأسواق إلى أن التوقعات قد تغيرت بشكل ملحوظ مقارنةً ببداية العام، حيث أصبح المستثمرون يمنحون احتمالية أقل لخفض أسعار الفائدة على المدى القريب، واحتمالية أكبر لبقاء أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول. وقد يكون هذا التحول في التسعير مدفوعاً بعدة عوامل، من أبرزها استمرار ارتفاع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، وارتفاع قراءات مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، إلى جانب التقلبات الأخيرة في أسواق الطاقة.
من المهم أن يدرك القراء أن خفض أسعار الفائدة الأساسية لا ينعكس دائما بشكل مباشر على انخفاض آجال الاستحقاق
ومن المهم أن يدرك القراء أن خفض أسعار الفائدة الأساسية لا ينعكس دائماً بشكل مباشر على انخفاض تكاليف الاقتراض عبر مختلف آجال الاستحقاق. فحتى إذا أقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة مرة أو مرتين بشكل محدود بحلول نهاية عام 2026، فإن العوائد طويلة الأجل قد لا تنخفض بالوتيرة نفسها أو بالحجم ذاته. ويعود ذلك إلى أن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات لا يتأثر بأسعار الفائدة الأساسية فقط، بل يتأثر أيضاً بتوقعات التضخم، والأوضاع المالية الحكومية، وتموضع المستثمرين،
ومستوى الثقة العام في الأسواق. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تظل تكاليف اقتراض الشركات، والتسهيلات التمويلية المرتبطة بمعدل التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR)، وظروف التمويل طويلة الأجل، خاضعة لتأثيرات ديناميكيات منحنى العائد الأوسع، وليس لقرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة وحدها.
غالبًا ما توفر منحنيات العائد الآجلة صورة أوضح لتوقعات الأسواق مقارنة بمستويات أسعار الفائدة الحالية.
ويعكس منحنى السوفر الآجلة لأجل ثلاثة أشهر (M SOFR Forward Curve3) توقعات الأسواق لمسار أسعار الفائدة الأمريكية خلال الفترات المقبلة. وبالمقارنة مع التوقعات السائدة في وقت سابق، شهد المنحنى تحولًا ملحوظًا نحو مستويات أعلى، بما يشير إلى:
تأجيل توقيت تخفيف السياسة النقدية.
تقليص عدد تخفيضات أسعار الفائدة المتوقعة.
استمرار توقعات تكاليف التمويل عند مستويات مرتفعة.
أما في السوق السعودية، فيكتسب منحنى السايبور الآجلة لأجل ثلاثة أشهر (3M SAIBOR Forward Curve) أهمية مماثلة.
ونظرًا لاستمرار الارتباط الوثيق بين الأوضاع النقدية في المملكة ومسار أسعار الفائدة الأمريكية، فقد أعادت الأسواق أيضًا تسعير توقعات السايبور عند مستويات أعلى، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على:
التمويل ذي العائد المتغير.
تخطيط وإدارة الخزينة.
افتراضات إعادة التمويل.
إعداد الميزانيات والتخطيط المالي.
ورغم أن السايبور و السوفر يتحركان عادةً في اتجاهات متقاربة نتيجة ارتباط الريال السعودي بالدولار الأمريكي وتوافق السياسة النقدية بين البلدين، فإن ظروف السيولة المحلية قد تؤدي أحياناً إلى حدوث تباينات مؤقتة بين المنحنيين.

ومنذ فبراير 2026، شهد كل من منحنيي السايبور و السوفر الآجلين تحولاً نحو مستويات أعلى، بما يعكس تغير توقعات الأسواق بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.
كما أن البيئة الحالية للأسواق تحمل انعكاسات مهمة على إدارة مخاطر أسعار الفائدة. فالتوجه الأخير نحو بيئة تتسم ببقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول يبرز مدى سرعة تغير توقعات الأسواق، وقد يستدعي إعادة تقييم التعرضات لمخاطر أسعار الفائدة، وأهداف التحوط، وحدود المخاطر، ومؤشرات المخاطر الرئيسية (KRIs) ، بالإضافة إلى الافتراضات المستخدمة في التخطيط المالي.
وبالنسبة للمؤسسات التي تعتمد على التمويل ذي العائد المتغير، فقد يكون من المناسب في هذه المرحلة تقييم مدى توافق استراتيجيات التحوط الحالية مع شهية المخاطر والأهداف التمويلية للمؤسسة. ورغم اختلاف النهج من مؤسسة إلى أخرى، فإن دراسة التأثير المحتمل لسيناريوهات متعددة لأسعار الفائدة يمكن أن تسهم في دعم قرارات أكثر استنارة فيما يتعلق بالتمويل، وإدارة التدفقات النقدية، وإدارة المخاطر.
لا تعني البيئة الحالية بالضرورة أن الأسواق تتجه نحو دورة جديدة من التشديد النقدي الحاد. إلا أنها تشير إلى تراجع ثقة المستثمرين في إمكانية عودة أسعار الفائدة إلى مستويات منخفضة بوتيرة سريعة. كما توحي التحركات الأخيرة في معدلات التضخم وعوائد سندات الخزانة الأمريكية بأن الأسواق أصبحت أكثر حذراً مما كان يتوقعه العديد من المتعاملين في السوق في بداية العام.
ورغم تراجع معدلات التضخم الرئيسية في عدد من الاقتصادات الكبرى، فإن الضغوط التضخمية الأساسية، والتطورات الجيوسياسية، واستمرار العوائد طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة، لا تزال عوامل رئيسية تؤثر في توقعات أسعار الفائدة المستقبلية. ومن ثم، فإن فهم هذه المؤشرات وتفسير دلالاتها بدلاً من التركيز فقط على بيانات التضخم الرئيسية سيظل عاملاً مهماً في دعم قرارات الخزينة، واستراتيجيات التمويل، وتقييم توقعات أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
- أ. محمد دانش
تصفح محتويات أخرى قد تهمك
تواصل مع فريقنا للحصول على تحليل مخصص ومتخصص.